الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
14
مختصر الامثل
وفي أرجاء العالم كافة - كلامي ، وأحذّرهم من عواقب عصيانهم . ثم أمر اللَّه رسوله أن يسألهم : « أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَى » ويأمره أن : « قُلْ لَاأَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِى بَرِىءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ » . أمّا الذين قالوا : إنّ أهل الكتاب لم يشهدوا لنبي الإسلام صلى الله عليه وآله فإنّ الآية التي بعدها تردّ عليهم وتقول : « الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ » . أي إنّ معرفتهم به لا تقتصر على مبدأ ظهوره ودعوته فحسب ، بل إنّهم يعرفون حتى التفاصيل والخصائص وعلاماته الدقيقة أيضاً . والآية تعلن في آخر مقاطعها النتيجة النهائية : « الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَايُؤْمِنُونَ » . أي إنّ الذين لا يؤمنون بالنبي - مع كل ما تحيطه من دلائل وعلامات واضحة - هم فقط أولئك الذين خسروا كل شيء في تجارة الحياة . وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 21 ) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ( 22 ) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ( 23 ) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ( 24 ) أشدّ الظلم : تواصل هذه الآيات المنهج القرآني في مقارعة الشرك وعبادة الأصنام بشكل شامل . تقول الآية الأولى بصراحة وبصورة استفهام إستنكاري : « وَمَن أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بَايَاتِهِ » . الجملة الأولى إشارة إلى إنكار التوحيد والثانية إشارة إلى إنكار النبوة حقّاً لا ظلم أكبر من أن يتخذ المرء قطعة جماد لا قيمة لها ، أو إنساناً ضعيفاً مثله شريكاً لربّ لا تحدّه حدود وله الحكم على كل عالم الوجود . فلا شك إذن في أنّ أيّ ظالم - وعلى الأخص أولئك الذين لظلمهم جوانب متعددة - لا يمكن أن يرى السعادة والفلاح : « إِنَّهُ لَايُفْلِحُ الظَّالِمُونَ » . الآية التالية تشير إلى مصير المشركين يوم القيامة مبيّنة أنّهم باعتمادهم على مخلوقات ضعيفة كالأصنام ، لا هم حققوا لأنفسهم الراحة في هذا العالم ، ولا هم ضمنوا ذلك في الحياة